عن البطولة الموكلة_
لقد أوكل الناس بطولتهم إلى قلة مختارة في الملعب — والمؤسسات التي هندست هذه البطولة خارج فرقها ميتة قبل أن يقتلها الذكاء الاصطناعي بزمن طويل.

في مطلع عام ٢٠٢٦، نشرت تهنئة بالعام الجديد جاء فيها:
«نحن جميعا محاطون بالأبطال؛ في الروايات والأفلام والرياضة.. ويبدو أننا، أبطالا كنا أو لم نكن، نريد دائما أن نصرف طاقة تلك الرسالة في مكان ما.»
وصلني تعليق مازح: «أنا رجل متواضع، لا أريد أن أكون بطلا، أريد فقط أن أنجو»، قال صديقي. فأجبته بغمزة: «النجاة تتطلب بطولة».
لنقفز ستة أشهر إلى الأمام، عبر أحداث عالمية قاسية وضعت الجميع على المحك، وها نحن في كأس العالم. نهلل ونصنع المحتوى ونتخاصم ونتعانق. تضامن في أبهى صوره؛ بعضهم يحتفل بالتأهل، وبعضهم ينعى خروجا، نحن وهم، أنت والآخر. وحين تراقب كيف ينخرط الجميع، يبدو أن الناس قد أوكلوا بطولتهم إلى قلة مختارة في الملعب.
البطل الذي لم يعتزل
طريقة انخراطنا في كرة القدم تنم عن شيء أعمق: عن التوق، وعن الرغبة المكبوتة، وعن الحاجة الفطرية إلى أن نكون أبطالا، وأن نتماهى مع قضية بطولية، وأن نشعر بأن ثمة ما يستحق السعي إليه حقا، وراء الأدوار اليومية المهندسة والعمليات المتكررة.
تأمل ذلك الإحساس الجياش بالفخر والإمكان والطاقة الذي يجعل جسدك يرتجف، حين تحقق أنت أو من تتماهى معه نجاحا هائلا.
كم تشعر بالوقود والحياة؟ إنه الإحساس نفسه الذي يعتريك في وسط فيلم أو حكاية، حين ترى البطل يطارد الشرير؛ المطاردة والقوة والمنعطف، في مقابل ما قد تبرمجك عليه الحياة المؤسسية اليومية.
الدخول إلى الحلبة
من محاسن كرة القدم أنها لا تنصف الأمور عادة؛ فإما فزت وإما خسرت، وحتى في التعادل، لا بد أن يعني ذلك شيئا، أو أن يصبح ذا معنى.
مهما كان المسعى، ومهما بلغ من مشقة أو استحالة، يظل لك أن تختار لنفسك: إما أن تنهض للتحدي، وإما أن تهزم قبل أن تطأ قدمك الملعب أصلا.
حين تكون بطلا، تشعر أن المستقبل قد يكون أفضل، وأنه ملكي أصنعه. وحين تكون مهزوما، يبدو الأمر ظلاما حتميا يقترب منك باستمرار ليلتهمك.
كل نقطة انطلاق من هذه ترسم سلفا إلى أين ستصل، وكيف سترى الرحلة في نهايتها. وحتى في كرة القدم، ليست كل الخسارات سواء. قد تخسر وتشعر أنك بذلت كل ما تملك.



مصر أوضح قراءة لهذا في هذه البطولة. كان ثمة شك في أدائها — بل في تأهلها أصلا. وبعد مباريات قليلة، تجري البطولة أبعد بكثير من إمكاناتها وتمويلها، والمشهد الختامي هو الأرجنتين تحاول اللحاق بها.
الحياة: تشغيل أو إطفاء
لو أن كل المؤسسات متساوية، تضع الاستراتيجية نفسها، وتتنافس على الشرائح نفسها، وتكاد تصل إلى الأدوات والأموال نفسها، فما الذي يصنع الفرق؟ ما الذي يصنع الفرق بين القسم ونظيره، ولم تبدو بعض الفرق نابضة مفعمة لا توقف، بينما تبدو أخرى كأموات يمشون في المكاتب؟ يتحركون وقد نزعت أرواحهم، يفعلون أقل ما يمكن، اتقاء لأقل لوم ممكن، كأنهم يجدولون بأنفسهم موعد حذفهم على يد الذكاء الاصطناعي.
قد تقول: نعم، الأمر كله يتعلق بالأمان النفسي. صحيح أن تجارب هارلو علمتنا كيف يطفئ نظام الخوف نظام الاستكشاف. لكن الأمر ليس كله أمانا. الأمان أشبه بالمكابح، وأنت تحتاج إلى الوقود المشتعل.
البطولة شيء حرك الأمم دهورا، وجعلها تقاوم الفظائع والانتكاسات. جعلت كل بطل في ميدانه — علما كان أو رياضة أو حربا — يسعى إلى القضية، ويقف لها، ويمشي كل خطوة فيها خائفا، ويعبر حتى النهاية، ولو كلفه ذلك حياته.
الكرة النارية الرغبية
في فعالية حديثة، صممت تجربة «الكهف الأعمق» ضمن فعالية رحلة بطل لأحد فرق العملاء. غرفة مظلمة، وشاشة كبيرة، وصوت طبيب نفسي مألوف يوقظ الوحش والروح الرغبية المتوحشة في داخلهم. وبعد أن خرجنا، جاءني أحد التنفيذيين قائلا مازحا: «كيف سنديرهم الآن إذا صاروا وحوشا ضدنا؟» — كان يمزح، لكني أعرف ما في قوله من حقيقة.

معظم المؤسسات مصممة ليكون كل شيء فيها قابلا للتوقع، ويشغل الجميع النص نفسه، لا أقل ولا أكثر. تملس الانحرافات وتحسنها، لكنها تملس معها قوة الحياة والموقف والطاقة والسحر. توظفهم لأجل أفضل ما جعلهم يتميزون عن المنافسين، ثم تستنزفهم منه.
كثيرا ما تدفع فرق الشركات إلى تصريف بطولتها عبر كرة القدم، وأجهزة الألعاب، والأفلام.. حيث يمكنهم أن يكونوا أبطالا في بيئات مختبرية محاكاة، بينما المكان الذي يلتهم أكثر من نصف ساعات يقظتهم يحاربها ويحيدها ويخصيها.
اللعبة التي تختار خوضها
كثيرا ما تستنزف البطولة لأننا نخافها أكثر مما نعرف ماذا نفعل بها.
البطولة باهظة، تؤخذ كاملة أو تترك. وحجم اللعبة التي تشتهي أن تلعبها هو ما يحدد أي شركة وأي موهبة تريد — المهزوم هندسيا، أم الفريق المشحون المشتهى.
النجاة تتطلب بطولة.

قراءة أكثر
خيوط مجاورة. إن أصابتك هذه المقالة، فهذه أيضا.


